عن دس السم في العسل
استيقظت اليوم الأحد 21 يوليو 2024 على رسائل "الواتس آب" التي شاركتني تدوينة الكاتب والمترجم العماني حمد الغيثي، وإنني في البداية أقدرُ هذه البادرة نحو توثيق حادثة الوادي الكبير وإثارة النقاش حولها
كتاب المترجم حمد الغيثي الذي أهله للفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب 2016
استيقظت اليوم الأحد 21 يوليو 2024 على رسائل "الواتس آب" التي شاركتني تدوينة الكاتب والمترجم العماني حمد الغيثي، وإنني في البداية أقدرُ هذه البادرة نحو توثيق حادثة الوادي الكبير وإثارة النقاش حولها. إلا أنني أكتب هنا عن محاولة الغيثي في أن يبدو موضوعياً، خصوصاً في الشكل الذي إختار أن يكتب به هذه التدوينة، من حيث التقسيم، وعرض الحقائق والأخبار. والشكل هو المضمون دائماً.
الفقرة التي عنونها بـ خلفية وتحتوي على:
"اتجهت الدولة في عُمان منذ عام 2011 لدعم المؤسسة الدينية وتقوية النزعة المحافظة في المجتمع بطرق شتى، مما أدّى إلى ازدياد الاستقطاب في السلطنة منذئذ."
التعليق: لا يقدم لنا الغيثي أي مقدمات لهذه النتيجة التي توصّل إليها. ففيما تَمثل دعم المؤسسة الدينية في عمان منذ 2011 ولماذا اختيرت دون المسارات الأخرى التي قد تلجأ اليها الدولة، ومن بينها "القبيلة" على سبيل المثال لا الحصر، أو حتى إتخاذ قرارات حاسمة ترتبط بمنح المزيد من الحريات، واستقلالية المؤسسات المدنية. إلا أنه من السهل بما كان أن نلقي باستنتاج كهذا دائماً عند المثقف الليبرالي.
"ساد الخطاب الديني بدرجة مطلقة في السلطنة بعد وفاة السلطان قابوس - رحمه الله - في عام 2020، وكان من ضمن تداعياته:
إلقاء القبض على عدد من العمانيين بعد حملة تحريض شرسة في القضية المعروفة "بمساحات غيث" في عام 2021، وصدرت بحق عدد منهم أحكام بالسجن.
مرة أخرى نتيجة بدون مقدمات. ليس هذا فحسب، لا نقرأ في هذه النتيجة أي شيء يخبرنا عن من يقف وراء المؤسسة الدينية، فهنالك دوماً نوع من الهدنة في لغة المثقف الليبرالي عندما يتعلق الأمر بتسمية السلطة السياسية، أو الإشارة للأجهزة الأمنية في الدولة بوضوح. وطبعاً لن يتم التفكير في مثل هذه الحوادث على اعتبار أنها محاولة لإلهاء الرأي العام عن قضايا ملحة مثل البطالة، واختفاء الطبقة المتوسطة، وهذه أمثلة فحسب. رأينا كذلك موقف الأجهزة العمانية من حساب نسويات عمانيات عام 2021 في العام نفسه الذي حدثت فيه حادثة مساحات غيث، واستدعاء من وقفن وراء الحساب من الأجهزة الأمنية، فيما يبدو أنه سلوك "توليتاري" على حد تعبير حنة أرندت في التوليتارية – الأمر الذي يفضي إلى محاولة السلطة لجعل كل أشكال التعبير والمواقف الوجودية على قدم سواء، كانت يمينة أم يسارية. ليس هذا فحسب، رأينا أن من ساهم في تكريس خطابات الكراهية بحق النسويات، حسابات لأشخاص لا يمثلون المؤسسة الدينية بالضرورة، وشاهدنا جميعاً القنوات الخاصة (الإذاعات) وهي تتهافت على استضافة محاربي النسوية. وعبر أفراد من الأجهزة الأمنية في حياتنا العامة اليومية عن قلقهم من سياسية الحراك النسوي. كما أنني أود أن ألفت النظر أن حمد الغيثي فاز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عن فرع الترجمة عن كتابه أشكال لانهائية غاية في الجمال، للباحث الأمريكي شون كارول، ولم تكن جائزة الترجمة هذه مقدمة للترجمة العلمية فقط، إلا أنه ويا للعجب مرة أخرى يفوز كتاب علمي بها، وكتاب قد ترفضه المؤسسة الدينية "المدعومة"، لاعتبارات تتعلق بالبيولوجيا التطورية التي ينطلق منها الكتاب وترفضها المؤسسة الدينية جملة وتفصيلاً.
شحن ديني واجتماعي شديد في أثناء حرب غزة، شجّعته الدولة ووسائل الإعلام، ساهم في زيادة الاستقطاب في البلاد، وظهر في استعراض حمل السلاح في إحدى مدارس اليافعين.
يحاول حمد الغيثي هنا حصر مناهضة الاحتلال الصهيوني في المجتمع العماني على اعتبار أنه مسألة "دينية" و "اجتماعية" مرة أخرى. مقدماً ذلك كقاعدة موضوعية. إلا أن اعتبارات من قبيل: المصير المشترك، أو الإيمان بالقضية الفلسطينية كحق واضح، أو مناهضة الاستعمار الصهيوني والإمبريالية الغربية كمسببات لردة الفعل الشعبية على ما حدث منذ السابع من أكتوبر. ناهيك عن كون نقل وتصوير ما يحدث في غزة منذ أكتوبر الماضي غير مسبوق خصوصاً عبر الإعلام غير الرسمي، وقنوات التواصل الاجتماعي الأمر الذي يجعلنا أقرب لما يحدث من انتهاكات هناك أكثر من أي وقت مضى. يصبح الشحن الديني والاجتماعي سبباً في زيادة الاستقطاب بالضرورة. أما موقف أمريكا ودول أوربا والعنجهية التي قُبلت بها الإبادة والدعم غير المحدود بالأسلحة والمال من المؤسسات الدولية ومن أمريكا وأوربا فليس سبباً لحنق المجتمع واثارة الاستقطاب. لقد وجدنا أنفسنا جميعاً نراجع الأدبيات ما بعد الكونيويالية وادعاءات هذه الدول نفسها تبني دراسات ما بعد الاستعمار التي لم تكن سوى طريقة لغسل عار تاريخ طويل من العبودية والاستعمار. ومرة أخرى وجدنا أنفسنا الإنسان الأدنى، فالإنسان الأقصى لابد وأن يكون أوربياً، أبيض أو مدعوماً من أوربا. لا يقدم حمد أي رؤية تتعلق بأن استجابة الدول العربية المتواطئة مع ما يحدث في غزة الآن سبباً أو ربما قد تكون سبباً في غضب شعبي كبير وجد نفسه فاقداً للقدرة على تقرير المصير، ووصف موقفه بالعجز. فهو عاجز عن الضغط على الحكومة لاتخاذ مواقف حازمة ضد إسرائيل. وفي عمان بشكل خاص، لا توجد أي إشارة للمطالب الشعبية في اتخاذ موقف من السفارة الأمريكية أو محطة التحلية. وأن هذا التخاذل في فعل شيء على أرض الواقع يوقف اطلاق النار في غزة على الفور قد يكون سبب في هزيمة معنوية تؤجج الاستقطاب.
ومن هنا لا تصبح الهزيمة المعنوية تحت وطأة أنظمة عاجزة عن فعل أي شيء لإيقاف الإبادة الجماعية في غزة سبباً في تأجيج التطرف والجهاد الإسلامي. كما لا يمكن قراءة هذا في ضوء الخضوع للإمبريالية الغربية والتسليم بها. طبعاً هذا كله اذا افترضنا أن ما دفع الاخوة الثلاثة لفعل ما فعلوه مرتبط بترتيبات قريبة زمنياً، وهو ما لم تكشف عنه التحقيقات بعد. فقد يكون الامر مرتبطاً بأحداث سابقة تبدأ منذ 2011 وهزيمة الربيع العربي، وظهور داعش آنذاك. إلا أن القفز للاستنتاجات واستسهال الوصول اليها، كما رأينا من بداية كتابة الغيثي سمة مهمة في هذه الكتابة.
بطبيعة الحال لم يشر الغيثي لخنق المجال العام السياسي في عمان، وزيادة القبضة الأمنية على الإعلام بمختلف مؤسساته. ولم يتحدث عن الأحكام الصادرة من المؤسسة القضائية التي يُفترض أنها مستقلة بحق من اتهموا في مساحة غيث، والتي قضت بسجن مريم النعيمي مثلاً. ولم يشر لحاجة المؤسسة الأمنية للرضا ببعض مواقف المؤسسة الدينية في عمان دون غيرها، في توازنات معقدة قائمة على مصالح المؤسسة السياسية بالدرجة الأولى.
من حفل تسليم جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب 2016 - المصدر: جريدة الرؤية



