ماسورة وجملة مقطوعة
بكيتُ كثيراً على سؤالها الذي لم أتمكن من الإجابة عليه. قالت: هل تتذكرين ما الذي حصل قبل يومين وكيف انتهى ذلك المساء؟ فضّلتُ تغيير الموضوع، قبل أن أستستلم لدموعي الغزيرة في الغرفة. ثم فجأة لاحَ لي ما أظن أنني أسميته في وقت سابق "تأثير إبراهيم أصلان"، واعتراني شوق جارف لجمله المقطوعة داخل الحوارات، وقلتُ لنفسي أنني لم أجِب عليها إلا بجملة مقطوعة أنا الأخرى.
أحاول فهم الواقع طيلة الوقت، وهي محاولة ضمنَ مشروع طويل للاندماج فيه. فمثلاً عندما قال لي حبيبي ليلة أمس أن ماسورة بيته انفجرت، بقيت طيلة اليوم أفكر في كلمة "ماسورة" وتردد في صدى اليوم وقعُ قصة ربما تكون لكنفاني أشار فيها لماسورة ما، وربما لا يكون لكنفاني أي علاقة بهذا، لكنه يُلح عليّ ربما لعلاقة المواسير بالخزانات عودة لروايته الأشهر " رجال في الشمس" والرجال الذين اختنقوا في الخزان. ربما وفي هذه الأثناء كانت شقة حبيبي قد غرقت، الرسائل التي كتبتها له امّحت حروفها. يا الله على جمال كلمة "امّحت".
قالت بعد تهربي من الإجابة بتلك الطريقة المخزية، لصديقة تحل ضيفة على بيتنا، بينما كانت تطبخُ لها حساءً أن أمل لن تحبه، فلأمل علاقة معقدة بمقدار الملح في الطعام. كدتُ أبكي في تلك اللحظة، فأنا نفسي لا أعرف ان كان لدي تحفظٌ حول مقادير الملح، لكنها وما ان قالت ذلك، صار ذلك جزءاً من هويتي الى الأبد.
" وأشعل سيجارة أخرى:
إنه صديق قديم كما تعرفين.
قلت وأنا أضحك:
قديم جدًا في الحقيقة. كنت أقول له إنكما مازلتما صغيرين.
التفت هو ناحيتي فوقعت السيجارة من يده. وشعرت بها تصب عينيها في عيني مباشرة. قلت:
أقصد أنكما صغيران وأمامكما...
هزت رأسها..."[1]
قبلها ببضع ساعات كنتُ في مناسبة ثقافية، تقدم مني الفائز بالجائزة والذي يزور عمان للمرة الأولى، متلهفاً لإلقاء التحية عليّ، تعجبتُ من اندفاعه، قلتُ ربما ولأنه سوداني يعرف صديقاً سودانياً لي وعرفني من خلاله. لكنه قال لي أنه يحب كتابتي للغاية، وهو من أشد المعجبين بي، قبل أن يستدرك ليقول لي: أمل السهلاوي.
هي كاتبة إماراتية، لا أعرفها ابداً، لكنني أرى الناس يشاركون مقاطع لها في كل مكان طيلة الوقت، وهي كتابة مزعجة تقول كل شيء، اعترافية، لحوحة، صوتها عالٍ، وفيها نبرة وعظ، لا غموض فيها كأن العالم مكشوف جداً، ولا ثغرات يمكن أن يدحش فيها الضائعون مثلي ممن لا يفهمون الواقع أنفسهم داخلها، والأمر الآخر أنها تكتب الأفكار السائدة بالطريقة السائدة ايضاً، بديهية أحياناً تشبه بالضبط ما يقوله الحزيمي في حلقة ثمانية هذيك، ومع ذلك هي رائجة للغاية، أقصد كتابتها. ربما عليّ أن أتوقف عن وصف كتابتها خصوصاً وأننا صرنا زميلات، فكتابها الأخير نُشر مع دار النشر نفسها التي نشرت كتابي، وأشياء كهذه لا تُكتب في العلن يا أمل السعيدي. فلنعد للمعجب الذي أخطأ وجهته، سيطر عليّ حرجٌ شديد منعني من أن أصحح له، وشعرتُ بأنني مجرمة تمتعت بإعجاب لم يوجه لها في الحقيقة، على الرغم من أنني استدركت تلقيّ لمديحه بسؤال: اوه كيف هي مسقط اذن وأي أماكن زرت؟
فكرت اليوم بعد نوبة البكاء تلك، أنني سأقرأ عن المسار العصبي للدموع، وأنني سأفهم لماذا يتأثر أنفي قبل أن تهبط الدمعة في تلك اللحظة التي تنقبض فيها العين قبل أن تدمع. وأن الشِعر في كل مكان حتى في هذه المعلومة التي ستبدو عادية لولا أنها وقعت في يديّ صبية تتمرس العيش بعيداً وللمرة المليون عن الواقع. هل في هذا أي نبرة للثناء على الذات؟ ان كان كذلك وهذا ما لا أظنه فيعني أنني أنجح رويداً رويداً في مشروعي الطويل الذي كتبت عنه فوق. عموما لديّ الكثير مما اريد كتابته لكنني سأتوقف هنا.. باي
[1] من قصة الرغبة في البكاء لابراهيم اصلان. كتبها في أكتوبر ١٩٦٥ ومنشورة في كتاب بحيرة المساء

