تدريبات على فهم الثلاثينيات
"الشكل هنا هو المؤلف" – اقتباس ولا أتذكر كاتبه
ضغطتُ بلساني على السن الذي يؤلمني، كنتُ أدفعه به. في كل مرة فعلتها شعرتُ أنني بخير. ثم يعود الألم مجدداً. ماذا لو أنه يؤلمني لأنني أتقدم في العمر؟ مثل كل الأشياء الأخرى، فمثلاً لا أستطيع القراءة لساعات متواصلة كما اعتدت لسنوات، وعندما يتحدث أحدهم عن الحب أوشك على أن أتقيأ. والذهاب يومياً من المعبيلة الى القرم ليس مسافة كبيرة على الاطلاق، يبني النجباء بيوتاً في بركا ويداومون يومياً في مسقط. هذا "سمت[1]" الطبقة المتوسطة وهي تشعرُ بنفسها قد تفوقت على النظام، فالأراضي في بركا رخيصة مقارنة بمسقط، ثم ما الذي يعنيه حقاً أن يقضي الانسان ٤ ساعات على الطريق كل يوم؟ ما هذا الهوس بأن لا تضيع دقيقة واحدة. ربما هو التقدم في العمر اذن، أما أنا فلا أتغير.
قرأت اليوم مطلع قصيدة رديئة، جزمت بأنها كذلك، لأن كاتبها بدأ بقنينة ملقاة على الشاطئ، راثياً الرسالة التي لابد وأنها سقطت منها في عرض البحر قبل أن تصل لوجهتها. أصابني ذلك بحكة في العين، أردتُ أن أموت، مرة واحدة كاملة تجنبني هذه الرصاصات الطائشة.
ربما من يبعث تلك الرسائل صغير في العمر؟ أقل من ثلاثين عاماً؟ تكون الأشياء مشروعة هناك، وكل رطانة محمودة، أما ما يحدث معي الآن، أنني ابتعت قبل ثلاثة أيام شواية جبنة Racletteالفرنسية. شعرتُ بالاشمئزاز قليلاً لأنها تصاحب طقساً فرنسياً شتوياً، عندما يجتمع الأصدقاء على طاولة واحدة، ويشربون النبيذ الفرنسي معها. تخيلوا كم ال"فرنسا" المصاحب لشواية خضار وجبنة؟ وأنا لا أطيق فرنسا واحدة حتى وقد قدمت لي فلوبير في رائعته مدام بوفاري. فرنسا وكل أوربا، أمج [2]نفساً عميقاً من الهواء، وأقول اهدئي، اهدئي – لقد كبرتُ حقاً.
ما الذي يبقى لامرأة ثلاثينية هنا وهي عزباء ولم تجرب الأمومة؟ الكثير من الرجال الذين ستظن أنها ستعتني بهم، تختار لهم قمصاناً زهرية فاتحة، تصالحهم على الأفكار الكبرى، فعندما تطبخُ لهم "ستيكاً" تسألهم عن رأيهم في اللحم المدخن، وتخبرهم عن العبيد الأمريكيين الذين طبخوا اللحم الناشف بهذه الطريقة لكي يعيشوا، ثم تقول لهم: لكن ترا هل حدث هذا في أمريكا وحدها؟ فبالها مشغول ب"التاريخ العالمي" وهي ولأنها تكره فرنسا، تكره مركزية أمريكا وأوربا طبعاً، العالم لا ينتهي الى مزارع كاليفورنيا. يحدقون فيها ضجرين، لا الملل المحبب، بل ذلك الذي يدفعُ أقدامهم للهروب، لولا أن قمصانهم الزهرية تحبسهم لبعض الوقت، ريثما يكون من اللائق أن يغادروا للأبد.
قد يظن أحد بأنني أقصد أنهم أقل معرفة مني، أو أن لدي اهتمامات أخرى لا تجيء على هواهم، لا، سيكون ذلك تسطيحاً، وإن بدا في صالحي. الحقيقة أنهم يرون نيتي بالإمساك بهم، ودفنهم في قفص أمومتي لهم، يرون النزق الذي يوصلني للحم الناشف مدخناً، صوتي المبحوح يصبح حراً طليقاً، أخرى من تديره، ربما الله نفسه، في اللحظة التي أبدأ فيها بقول "العبيد يشوون.." أما أنا فأتشرد مثل ورقة سقطت في ريح هائجة لم تسكن قط. أطير أطير، لا وزن لي لكي يدفعني الهواء بطريقة محددة، أطير فحسب، بعض الأحيان كأن الهواء لا يأخذني هو الآخر على محمل الجد.
لكن وربما وهذا غير مستبعد أنهم أولاد حرام ليس الا.
عندما أدخل المقاهي، حيث لم تعد خاصية "الاير دروب" التي أزعجتنا موجودة. يظهر جميع الناس ساهمين في أجهزتهم، لا يعرفون بأنهم في هذه اللحظة بالتحديد يتقدمون أكثر نحو ثلاثينياتهم. أن الأكواد المشفرة، لن تثير قلقهم بعد الآن، والواجبات الوظيفية من نوع تصميم هوية بصرية لعلامة تجاربة اسمها "اقتباس" وهي تبيع أجهزة إلكترونية ليس شيئاً لا يمكن ضغطه في لغة تسويقية، ببراعة طفل يكذب، والجميع يحبون كذبه، فهو الكذب الأقل ايذاءً من بين كذبات أخرى دامية. وواجبات الجامعة التي لا يتخللها وجع من الحب، وعَضة في القلب- عضة غائرة، عضة وحشية- لا معنى لها. مرة أخرى لا لأن واجبات الجامعة غير مهمة فحسب، بل لأنها وجدت هنالك بالضبط لكي تصاحبها عَضاتُ القلب.
في الثلاثين تمتلك عيناً ترى الوضعيات البينية، النساء اللاتي يقلن على السناب شات أنهن لا يطلين اظافرهن بسبب الصلاة، الرجال الذين يعتمرون وفي سيارتهم فودكا ابسلوت الرديئة. كلها أشياء تنتمي الى فكرة ما ولا تنتمي اليها في الوقت نفسه، العالم كله في حالة "انتقالية" طارئة، يصبح معها الانفعال الكامل ذميماً أو مذموماً لا أعرف ما الأدق، - ثم ان هذه مدونتي وسأكتب فيها ما أشاء، لم أحتج ثلاثينياتي حتى لكي أتخلص من فكرة "الرسول" وهوس"الرسالة" – عموماً هذا استطراد في غير محله، لنعد قليلاً للوراء، للحالة الطارئة، قانون الطوارئ الكوني، يصيبني بالصداع، كل ثباتي الانفعالي ينهار، عندما اقرأ دعاءً مكتوباً بلغة غنائية مفتعلة، أو أعياد الميلاد والحفلات كلها "التخرج. البيبي شاور، الفكن ماعر ف ايش" تدوخني. يعذبني كل شيء، عدا الضجرين الذين يتسكعون في المولات، أحس معهم بأننا طائفة، يترجلون من القانون الطارئ، وببساطة شديدة يتبطلون، يسرنمون، يزيحون محل سيفورا قليلاً للخلفية في قصتهم، وهم أسياد مللهم العظيم يتمهلون في المشي، تاتا تاتا ..حبة ماشي.. تاتاتا.. حبة ماشي
يؤسفني أن أشترك مع فلان في حبي لقلاية البندورة. أطبخها كل يوم، لاحظوا أننا في الثلاثينيات نتوقف عن استخدام المبالغة. عندما أقول بأنني أفعل كذا كل يوم فهذا يعني حقيقة (موضوعية) راسخة. عرفت أسرة في الجبل الأخضر تعصر الزيتون، لم يعد لهذه الوجبة أي معنى بدون زيتهم. مرارة صلبة (bold ورائحة أرضٍ ليست معتدلة المناخ كما يُعرف عن "الجبل الأخضر"، وانما طُبعت بحزوز ثورية، وعندما أحدق في خضرة زيت الزيتون السمراء، أعُين موقعاً لي في هذه الأرض.
في الثلاثينيات أبدو محرمةً على الطبيعة. محرمة على التجريد، أريد أن التصق بالأرض التي هي الاسمنت لا الغابة. عُمان تبدو في الخريطة أكبر بكثير مما هي عليه في أرض الواقع. هذا درس ثلاثيني بامتياز. مع ذلك لستُ فتاة الدروس، أنا امرأةٌ تحتاج كتيب تعليمات طيلة الوقت، وعندما تجد واحداً لا تفهم منه شيئاً، كما لو أن في ذلك الكتيب أحداً يتكلم ببطء بطيء جداً بطيء للغاية مُعِذب وساحق. فأقتله فوراً أو أقتل نفسي من يدري ما الذي يحدث حقاً؟ إحدى أوجه ذلك التحريم أولاً والقتل تالياً هي أن أسجن نفسي في المنزل، أقررُ قراءة مجموعات شعرية وأبكي.
كل الذي سبق لا يعني شيئاً وأنا أتعذب الآن وأبكي. وأنظر لجراحي باستعلاء، لا أفكر سوى في أنها تافهة، وحتى قلبي الذي يتكسر لا يُصدر صوتاً، كأنني لستُ موجودة، ثم ان الصفارات أرقى من قلبي طبعاً. أعيش في كذبة أنني أعيش اذن؟ هذا الجذع اذن لمن؟ طولي ٦٢ لمن؟ اظافري المطلية بلون باذنجاني، قصيرة ومربعة بنعومة لمن؟ سيارتك ذات البابين، مقبض ليدك، والمقبض الآخر لمن؟ وهل يشتري الناس سيارة ببابين في الثلاثينيات؟
والحبُ الذي سعيت وحدي لإخماده بعلة الثلاثين، هو لامرأة ميتة اذن؟ هل تحبك امرأة ميتة؟
[1] كلمة من القاموس العماني اليومي ينبغي ان تنقرض أو نُطبعها في سياقات أخرى
[2] لن أقول استنشق لانه كيفي بصراحة.


نص مكثف يكاد ينفجر ليصبح كتاب "مدخل جابني إلى بيت الثلاثين"