أول مرة – الجزء الأول -
يوميات، وبكائيات رخيصة
أول مرة – الجزء الأول -
قبل ستة عشر عاماً لزمتُ مجلس بيت صديقتي المقربة عندما توفي والدها. لطالما فكرتُ في أنني لن أعرف أبداً ما يعنيه أن أعيش الحياة التي عاشتها. كانت من أصغر الأبناء، لأبوين كبيرين، أما أنا فكنتُ الكبرى، ولا تكبرني أمي إلا بحوالي أربعة عشر عاماً، لا نعرف بالضبط متى ولدت، لديها شهادة ميلاد استصدرت لاحقاً، وبطريقة عمومية محققة، صارت أمي مولودة في الأول من يناير، شقيقة رجال ونساء في بلادي كبروا بلا حق في امتلاك تصور الأبراج التي ينتمون اليها، هكذا كأنما خسروا الكون، كوكباً ما، أو ربما امتلكوه كله.
اليوم، هو اليوم الثاني من عزاء والدة صديقتي نفسها، لم أتمكن من رؤيتها، دخلتُ للخيمة قاصدة البلدة التي تبعدُ عن شقتي ساعتين ونصف بالسيارة، أدخلتُ الخصلة الفضية من شعري تحت الحجاب، وتضايقتُ من فكرة أنها إذا ما تسللت من تحته فأنا لن أدرك ذلك. على باب الخيمة حذائين فقط، سأعرف لاحقاً أن النساء احتفظن بأحذيتهن، أما أنا فقد تركته باستسلام روحاني هناك.
تمنيتُ لو أستطيع الاعتراف بأنني لا أعرف كيف مرت كل هذه السنوات. لكن لديّ شاهد وندبات عليها في كل مكان، أحياناً بطريقة مرئية ومعظم الوقت كمسامير في البشرة، حاجز يفصل بيني وبين العالم كله ويكبرُ كل يوم. تمنيتُ لو أننا نستطيع الآن في بداية هذا الحِداد أن نبدأ من جديد، تحديداً من ذلك اليوم، الذي سمح لي والدي فيها أن أزور للمرة الأولى بيتاً لصديقة، كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، لا أعرفُ كيف تبدو بيوت الصديقات، لكنني أتخيل ايقاعها، أسمع ما يجري فيها، في ما يتظاهرن به وأستطيع التسامح معه، الحنان لا الاشفاق، كانت حيلتي بسيطة ومازالت.
تبدو هذه مفارقة حادة، لولا أنني أكره المفارقات، القفلات الغنائية في القصص، الصراخ الذي يبدو حذِقاً لكنه على العكس من ذلك تماماً، ومع ذلك، زرتُ أول بيت لصديقتي، أول مرة، عندما مات أبوها!
لا أتذكرُ خيمةً آنذاك، اكتضت غرفة أمها بالنساء، بعضهن يبكين، وأخريات لا يستطعن استئناف الحياة بالحديث عن أشياء أخرى لأن المكان ضيق، وانفصال الشفتين بعد اطباق قادر على إحداث إعصار! جلسنا أنا وهي في مجلس بيتهم لوحدنا، مرت بنت أخوها، كانت في الخامسة من عمرها، ربما، لكنها مستفزة وغير مهذبة بحسب رأي صديقتي. كانت تلك إذن تسليتنا بدل الحديث عن الموت. لم تشاركني يوماً أي كلمة عن والدها، لا أعرف ان كان لديها ذكريات معه. سمعتُ من أبي أنه مصاب بالزهايمر، أنه يخرج كثيراً دون أن يعرف أحدٌ الى أين ذهب، حتى هو لم يكن يعرف إلى أين ذهب.
تتهيج البشرة، تنطلق في عدوها نحو التقلص أكثر فأكثر، لتضغط على قلبي، تِعصرُه.
يبدأ كأس العالم اليوم، اشتركتُ في باقة بصفقة رابحة جداً، أتخيل ولأن معظم المباريات في وقت متأخر من الليل، أو في بدايات الصباح أنني الوحيدة التي سأشاهدها هنا، هذا هو الامتياز الوحيد للشابة التي لا يمكن أن تنام ما لم تُقرر أنه حان موعد أخذ الحبة الزهرية الصغيرة، وانتظار عشر دقائق فقط، قبل أن ينطفئ العالم كله. لكن شيئاً يحزنني في أنني سأكون لوحدي من يتابعها في هذه الأوقات، كُنت أريد أن أكون في طائفة ما، الطائفة التي لطالما فُتنت بها، مشجعي كرة القدم.
لكن صدى الموت أحاط بي. ما إن جلستُ على الكرسي ورفعتُ الصوت، تذكرتُ المسكيك عندما لعبت مع السعودية، في مونديال قطر، شاهدتُ تلك اللعبة لأنني أردتُ بشدة أن تفوز السعودية، لدافع قومي بطبيعة الحال. ألعبُ مع نفسي تدريبات قاسية لتجنب الشرود، التركيز فقط فيما هو أمامي، عدم الاستسلام لوخز البشرة، أو لطبيعة العالم الذي يتسارع من حولي، التمكن من الشعور بكل شهيق، وسماع الزفير. متخيلة أنني أوقف العالم، أوقف أصحاب رؤوس الأموال ما إن أفعل ذلك. أوقفُ إسرائيل، أوقفُ خساراتي الفادحة، أوقف إخفاقي في المكوث لأنني هربت، أوُقف فقد الأصدقاء، أوقفُ الزمن في الصمت الموثوق بدلاً من السوالف التي نقطع بها الوقت لنسمع أننا مازلنا معاً بينما توقفنا عن ذلك. وحتى في هذا أخفقت.
أحاول مجدداً. أستأنف قراءة كتاب “الليبرالية تاريخ مضاد” وكنتُ قد قرأتُ جزءاً كبيراً منه، وتركته بغير إرادة مني، لأن عملي سرقَ حتى الشيء الوحيد الذي نجوت به، القراءة الحرة، كان ذلك من بين أشياء مُعذِبة أصابني بها. وأفكر في صديقتي الثانية، صديقتي التي وشمنا أنا وهي على ذراعينا “شيء لا يذهب” في قبو محل بإحدى تفريعات شارع استقلال في تقسيم. بعد أن قررت أن لا تعود من برلين. فيما تُفكر فيه الآن، هل تبحث عن أسعار التذاكر لتأتي سريعاً الى خيمة العزاء الفارغة، تُفكر في موت والدها هي نفسها وما شعرت به ذلك اليوم؟ كُنت معها أيضاً، وأتذكر أنني في نهاية اليوم، طلبتُ عدداً كبيراً من البيتزا من بيتزا هت، لعائلتها، وأن شيئاً محرراً شق طريقه في هواء صالة بيتهم ما إن شرعنا كلنا في تناولها.
تُرا ما الذي يفعلونه الآن؟ كلهم.. أحبائي واصدقائي الذين لم يمت لهم أحد من أبويهم، الذين لن أعرفَ أي فريق سيشجعون في هذه البطولة، هل تراجع بعضهم عن تشجيع الأرجنتين بسبب ميسي الأحمق غير المسيس، يقارنونه بمارادونا؟ أم يدافعون بعناد عنه، لأننا أسأنا الفهم. هل يُفكرون فيما تغير كل هذا الوقت بينهم وبيني؟ لماذا ابتعدت، ولماذا اقتربت، ولماذا كنت ولماذا لم أكن. يجلسون بجانب من؟ يخططون للسهر لأي ماتش؟ هل سيرسلون رسالة لصديقتي التي بدأت علاقتي بها وأنا في الصف السادس الابتدائي، ولذلك يعرفونها جميعاً، تعزية صادقة، أم تراهم لن يعرفوا أننا، أنا وهي، نُكابد تغيير موقعنا تجاه بعضنا في حِدادٍ جديد، يحدث كما لو أنه ومثل المرة الأولى تماماً يحدث لأول مرة.
-يُتبع -
11/6/2026
Saham


أسلوب جذاب سلس وينتقل من فكرة الى اخرى بطريقة سحرية
تحياتي